مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
56
موسوعه أصول الفقه المقارن
أباحه الشارع ، وهي بهذا المعنى قد ترجع في حقيقتها إلى الإباحة الشرعية « 1 » . الأمر الثالث : إمكان الإباحة اتفق الأصوليون « 2 » على إمكان الإباحة ، باستثناء الكعبي وأتباعه الذين نفوا وجود مباح في الشريعة ، بل نفوا كلّ حكم غير إلزامي « 3 » ، مستدلين له بدليلين « 4 » : الأول : أنّ ترك الحرام لما كان واجباً - باعتبار أنّ النهي عن الحرام يقتضي الأمر بضده وهو الترك - فلابدّ أن يكون فعل المباح واجباً أيضاً ؛ لكونه مقدمة لتحقق الترك ، ومقدمة الواجب واجبة . فلو ورد النهي عن الكذب مثلًا فلابدّ أن يكون تركه واجباً ؛ لأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه ، فتجب مقدمته التي هي فعل شيء من الأفعال المباحة ، فلا يكون هناك فعل مباح إلّاوهو واجب من باب المقدمة . وأورد عليه - مضافاً لمخالفته للإجماع « 5 » - بأنّ الأمر بترك الحرام يحتاج إلى ملاك ومصلحة ؛ لابتناء الأحكام على المصالح والمفاسد كما هو المشهور بين العدلية ، والمصلحة هنا غير محرزة خصوصاً مع عدم الحاجة إلى الأمر وكفاية النهي عن الإتيان بنفس الحرام ، فإذا كان النهي غير مؤثر في ردعه فالأمر بترك الحرام أيضاً لا يؤثر في منع المكلّف عن ارتكابه « 6 » . هذا بالإضافة إلى أنّ ترك الحرام لا يتوقف على فعل من الأفعال غير المحرمة ، بل يكفي فيه عدم الإرادة والرغبة في فعله « 7 » . الثاني : هو أنّ ترك الحرام يتحقق ضمن فعل من الأفعال المباحة ، فإذا كان الترك واجباً فلا بدّ أن يكون ملازمه واجباً ؛ لامتناع اختلاف المتلازمين في الحكم « 8 » . وأورد عليه بأنّ التكاليف الشرعية وليدة المصالح والمفاسد ، وليس من الضرورة أن يكون المتلازمان متشابهين في مصالحهما لكي يكونا متماثلين في الحكم « 9 » ، مع أنّ طبيعة التلازم لا تستدعي أكثر من امتناع جعل حكمين متضادين ، أحدهما واجب والآخر محرّم ؛ لامتناع امتثالهما معاً ، بخلاف ما لو كان أحدهما واجباً والآخر مستحباً ، فإنّه لا محذور فيه حينئذٍ ، ومجرد لزوم الإتيان به تبعاً لملازمه لا يستلزم وجوبه شرعاً ؛ لأنّ اللزوم العقلي المحض لا يستدعي الأمر المولوي « 10 » . ولابدّ من الإشارة هنا إلى الإشكال الذي ذكره بعضهم على نظرية الكعبي من أنّها تستلزم إيجاب المحرّم إذا كان مقدمة لترك الحرام ، وتحريم الواجب إذا كان مقدمة لترك الواجب « 11 » . ورغم اعتراف الكعبي بهذا الإشكال ، إلّاأ نّه حاول التخفيف منه بمقايسة المباح بالصلاة في الأرض
--> ( 1 ) . عوائد الأيام : 368 . ( 2 ) . الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 107 ، الأصول العامة للفقه المقارن : 61 . ( 3 ) . نقل عنه الخلاف في : المستصفى 1 : 88 ، المحصول ( الرازي ) 1 : 298 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 107 ، منتهى الوصول : 40 ، نهاية الوصول ( العلّامة الحلّي ) 1 : 537 ، كشف الأسرار ( البخاري ) 1 : 274 - 275 ، تحفة المسؤول 1 : 85 ، البحر المحيط 1 : 279 ، شرح الكوكب المنير : 131 ، الأصول العامة للفقه المقارن : 61 . ( 4 ) . انظر : محاضرات في أصول الفقه 3 : 40 - 42 ، الأصول العامة للفقه المقارن : 61 . ( 5 ) . التحبير شرح التحرير 3 : 1027 . ( 6 ) . الأصول العامة للفقه المقارن : 63 . ( 7 ) . محاضرات في أصول الفقه 3 : 41 ، وانظر : معالم الدين : 69 . ( 8 ) . معالم الدين : 68 . ( 9 ) . الأصول العامة للفقه المقارن : 63 . ( 10 ) . المصدر السابق : 62 . ( 11 ) . نقل ذلك عن بعضهم في التحبير شرح التحرير 3 : 1027 .